|
|
|
متوازيات
على مفترق
طرق
شقة
في حي ياردت
وأنا
أكفكف عارم
سيل من دموع
لا أقوى على
ردها حفاظاً
على بعض وجود
صارعت طويلاً
للإحتفاظ به؛
صادفني، في
عَتَمَةِ ليل
شتوي، شاب
ومضت شقرة
شعره تحت ضوء
عمود إنارة
عام تماماً
ونحن نعبر
واحة ضوء
كليل ارتسمت
على ممر ضيق
إسفلتي.
ارتطمت
نظراتنا
بينما هو
يرسل نحوي
نظرة عابرة
فغضضت بصري
وازدورت
بوجهي عنه
خشية أن يرى
ما ينهمر من
مقلتيّ ويسمع
ما أخنقه بين
دفات صدري من
نحيب متقطع. تابعت
الطريق
الضيقة أنزل
من هضبة
بسيطة حفت
جانبيها
أشجار صنوبر
في( يردت
(Gنrdet نحو
الشارع
العام، كما
هيء لي، دون
أن أعرف
لماذا تبعت
هذه الطريق
وليس سواها.
بلغ سمعي وقع
أقدام، من
خلفي، على
ثلج تجمد
واختلط برمل
خشن يبعث
صوتاً
ذَكَّرَني
بصوت قضم
شعير رد إلي
صورة غدت
باهتة عندما
كنت أقدم
عليق المواشي
مساء في غرفة
الدواب في
دارنا على
قمة تَلِّ
قريتنا، قبل
أن أهرب من
سوريتي، منذ
أكثر من عشر
سنوات، من
خدمة إلزامية
غَرَّرتُ
بنفسي آنذاك
أنها في غير
أوانها وأن
في وسع
الحروب أن
تدور بدوني. حاولت
ألا ألتفت نحو
مصدر القضم
إلا أن قوة ما
في داخلي
أرغمتني، دون
رغبة، أن
ألتفت. كاد أن
يبلغني ولما
أتخطى واحة
النور. وعن
قرب بدا لي
وجه الشاب
ودياً علته
ابتسامة
خفيفة مفتعلة.
سألني: -
هل أنت في
حاجة إلى
مساعدة؟ قسرت
مستبعداً
رغبة في
استجابة
لعرضه وأجبت
عبر نشقة
عميقة من
خلال أنفي
الذي ملأه
تكثف بخار
تنفسي
مختلطاً
بدموعي
قائلاً: -
لا، شكراً! مسحت
شفتي العلوية
وأسفل أنفي
بظاهر كفي
الأيمن وأنا
أنظر إليه
وفي داخلي
تعتمل رغبة
أن يبتعد عني.
استعاد وجهه
الآن تقاسيم
منبسطة وزم
على شفتيه
دون أن ينهز
بكتفيه. قال: -
ليكن ذلك، إن
كانت هذه
رغبتك! تابعت
طريقي وأنا
أنظر إليه من
فوق كتفي
الأيمن، دون
أن أظاهره،
ونظري لا
يزال مثبتاً
عليه يرصده،
وكأنما
أُطَمْئِنُ
ذاتي أنه
سيرتد، عما
قريب، إلى
بغيته التي
هو في صددها.
ولما رآى
أنني أسير
على هذا
النحو
والطريقة غير
المألوفة
مبتعداً عنه
قال بصوت
مرتفع لا يقل
ودية عما
أبداه في
البداية: -
على كل إنني
لست على عجلة
من أمري، لو
نكصت عن رأيك
فإنني سأقف
هنا بضع
دقائق. تساءلت
في سري: في
عَتَمَةِ
ليلة شتوية
وفي ساعة
متأخرة من
يوم سبت وفي
خلوة شبه
عراء على
طريق جانبية
يقف هذا
الغريب عني
ليسأل إن كنت
في حاجة
لمساعدة؟ ساورني
شك مألوف:؟ أما
وأنه من
مواطني
السويد
الأصليين فلا
شك فيه، وأن
لديه رغبة في
مساعدة من هو
غير أصلي
فهذا أمر
غريب حيث
أقطن في
رنكبي. وتَطَيَّرتُ:
لكن أن يصدف
هذا كله في
ليلة كان من
المفروض أن
تكون ليلة
سمر وحب
وممارسة غرام
عارم مع
خطيبتي (مونيكا
Monika)، فهذا لا
يعقل! لا بد أن
هناك قوة
وراء ما يحدث
وسيحدث. كنت
في بداية
الإسبوع
السابق إثر
لقائي مع
مونيكا، في
شقتها، قد
قررت أننا
سنقضي يوم
السبت القادم
في ديسكو
الجامعة في (فالهاللافيغن
VALLHALLAVنGEN). ولما
أبلغت مونيكا
قراري ردت
علي آنئذ: -
لكنني مشغولة
بشيء آخر يوم
السبت القادم. -
ألا يمكنك أن
تلغي انشغالك؟
لقد عزمت على
أن تكون
ليلتنا
القادمة ليلة
الليالي. ردت
علي بصوت
شابَهُ بعض
نزق: -
إن هذا
الموعد
مقرراً منذ
أكثر من شهر
وعلي أن
أنفذه. لا
يغيب، طبعاً،
عن خاطري أن
مونيكا صعبة
المراس، كما
أعرف أنها،
رغم سنها
اليافع،
عندما تقرر
شيئاً يصعب
أن أردها عنه.
إن هذا جزء من
مشكلة بسيطة
لا تلغي حبي
إليها كما
أنه لا يلغي
أنها تردد
على مسمعي،
ليس دائماً،
لكن ما يكفي
أن يهديء من
غيرتي عليها
لمـّا تلتقي
بمن يجايلها
سناً، أنها
تستظرفني.
أما أنها
تستظرفني فقد
جعلني أن
ألجأ إلى
معجم الشمال
وهناك أغوص
في متاهة لا
قرارة لها. إن
فعل يستظرف
أو تستظرف
عَقَّدَ من
وجوده أحرف
جر كثيرة
يُطيحُ كل
منها بما
سبقه مضموناً.
فمثلاً:
يستظرف
متبوعة بحرف (بـ
) يؤدي إلى
معنى يجعلني
أن أهديء من
غيرتي. ونفس
الفعل يستظرف
لو كان
وحيداً، كما
أشعرني جل
الوقت، فإنه
يجعلني أن
أتحسس عاصفة.
ولو كان نفس
الفعل
ملحوقاً
بإلى، كما
يصدف أن أكون
بلا سبب،
فإنه يجعلني
أن أتهيب
مونيكا. ولو ...
ولو ... إن
هذا الفعل
فِعلاً عقدة
ومشكلة
عضالاً لم
يفلح تحصيلي
الدراسي من
سورية وقد
بلغت الصف
الأول
الثانوي قبيل
هربي، أن يفك
رموزها. لذا
أقنعت ذاتي
بالخيار
الأول منه
راضياً أنها
تستظرفني رغم
أني، في
الحقيقة،
وددت لو أن
نفس الفعل
يؤدي إلى ما
تعلمته، من
أفلام
أمريكية،
ورددته أمام
أصدقائي ولم
يخل الأمر
أحياناً أن
مارسته بدس
وريقة في جيب
صدارة تلميذة
من الحلقة
الإعدادية
نسخت عليها
كلمة I Love You. هذا
الفعل، الذي
لم أهتد إلى
حل مشكلته،
أحد أسباب
أنني، الآن،
أرفض، قسراً،
أن يساعدني
هذا الشاب
السويدي،
وأنا في تيهي
الحالي. نظري
لا يزال
مثبتاً على
الشاب الذي،
كما يبدو لي،
قد عقد النية
على أن يقف
برهة بانتظار
أن أطلب منه
المساعدة
التي أحتاجها
فعلاً. يبدو
لي الآن
طيفاً بلا
معالم تحت
عمود الإنارة
العام. وقفت،
بل بالأحرى،
فلحت في أن
أقف في
اللحظة
الأخيرة قبل
أن أهوي من
على حِرفِ
منحدر بسيط.
وانطلق نحوي
بعجل وقد
تمسكت بغصون
شجرة صنوبر
قريبة كأنها
ارتعشت
لمفاجأتي
ففَرَشت فوقي
دثارها من
ثلج تراكم
على غصونها
وفروعها. ركضت،
لا على
التعيين،
وأنا أخبط
على رأسي
وثيابي
براحتي يدي
العاريتين
كمن جُنَّ
محاولاً نفض
ما نزل على
رأسي وقامتي
من ثلج.
تقصيته
بناظري
فوجدته يعدو
خلفي فتسارعت
في جري بلا
هدف وهو في
إثري. صوته
يبلغني مع
وقع أقدامي
الثقيلة على
ثلج هش متجمد
عذر سميك
وكأنني أخوض
في ماء ضحل: -
توقف، توقف،
لا تركض في
ذلك الإتجاه! أما
أنه، وهو
يعدو في
إثري،
وينصحني ألا
أعدو في ذلك
الإتجاه،
فهذا لا
يطابق منطقاً
بديهياً في
رنكبي. شعرت
كيف تخذلني
قدميّ اللتان
تجمدت
أصابعهما من
ثلج ملأ حذاء
جلد انتعلته
كما أن الثلج
الذي وشحتني
به الأشجار،
التي اضطررت
أن أركض من
بينها، قد
غسل وجهي بعد
أن ذاب من
حرارة طفقت
في جسدي
المخمور كله. فجأة
توقفت. لا
أقول كما قال
طارق بن زياد
مجازاً، بل
كان فعلاً
رغم أن لهجة
مطاردي غير
عدائية حتى
الآن، لكن من
يعرف تقلب
الأمور. ظهرت
أمامي بحيرة
صغيرة متجمدة
كستها الثلوج
فتراءى لي
سطحها صقيلاً؟
. شعرت أنها
بحيرة متجمدة
عبر خدر رأسي
الذي عشش فيه
خمر جَمَّده
صقيع إذ لم
يعد هنالك
أيما أشجار
في فسحة
واسعة مستوية
كسطح ماء
راكدة. كما أن
الشاب قد
أصبح على
مقربة مني
بحيث أنني لم
أعد أهتدي
إلى طريقة
أخرى أحافظ
بها على
رجولة هدرتها
مذ شرعت في
القفزة
الأولى. لم
يكن هرباً
كما لم يكن
خوفاً كما لا
أعرف ما هو.
لربما لم يكن
أكثر من هرب
من ظل خلفته
حسبت أنني
خلفته ورائي.
وكي أتبين
كنهه علي أن
أفكر إلا أن
ما في جوفي
وما كرعته من
كؤوس خمر في
شقة في
يَردِتْ لم
يترك لي بعد
مجالاً أن
أفكر إِلا في
كيف أكفكف
دمعي، وألملم
ذاتي على
بعضها، وأن
أتوصل إلى
وسيلة أصل
فيها إلى
شقتي، قرب
بيت الطلبة،
في رنكبي. -
هل أنت مجنون؟
كيف تعدو في
هذا الإتجاه؟
قال بصوت عتب
لا أكثر. ما
زلت لا أشعر
بعدوانية،
لكنني أحس في
رغبة ألا
يقترب مني
هذا السويدي.
إنني لا أرغب
الآن في
السويد ولا
في أي سويدي
وعلى الأخص
من يكن شاباً.
إنني أحس
الآن أنني لا
أقوى على
رؤية أي فرد
سويدي، كما
لا أستطيع أن
أفكر في أي
شيء سويدي.
وها هو سويدي
يطاردني ولا
أهرب منه، بل
أريد
الإبتعاد عنه
وعن ظلال
نزلت في تفتت
منجم ذكريات
تناسيتها
طويلاً. هو
الآن، أمامي
يعاتبني ولا
أريد أن أرد
عليه. أحس
بمعدتي تتقلص
برداً، كما
أحس كيف تود
الخمرة أن
تغادر جسدي.
لا بد أن
الخمر قد
اختلط
بالظلال
ونبه ذكريات
لا تقوى على
تحمل ما
يعتمل في
داخلي.
المزيج يود
أن يهرب مني
كما أود أنا
أن أهرب من
هذا الشاب
السويدي. لم
يوفق المزيج
في أن يقطع
الرحلة بين
معدتي
وحنجرتي وفمي
كما ليس في
وسعي أن أقطع
أية مسافة
أخرى مهما
ضألت. جسمي
حار يكاد أن
يسعر لهباً.
وجهي مبلل من
عرق وثلج ذاب
عليه. برودة
الليل تهتك
فتحتيّ أنفي
ووجنتيّ
تكادان أن
تشققا وقدميّ
أصبحتا
قطعتين من
جليد ليس أقل
برودة من
ظاهر كفيّ
العاريين
وأتخيل شعري
منتصباً
تسحبه جُنُّ
كانون مع
جلدة رأسي. وقفت
بلا حراك
والبحيرة
المتجمدة من
خلفي وهو
أمامي وأشجار
صنوبر بيضاء
من خلفه
كأطياف
تجمهرت تنظر
إلى مشهد
مسرحي على
كوليسيوم
الطبيعة. كيف
كان شكلي
آنئذ، لا
أعرف. لكنني
أعرف كيف كان
شكله. إنني
أعرف انني ما
زلت ألهث
بتردد سريع
حتى ليكاد
نفسي أن
يتجمد فور
خروجه من فمي
الذي أجبرت
على أن أدعه
مفتوحاً بعض
الشيء. أما هو
فقد سكن
تنفسه بعد
قليل وتردد
تنفسه لايعدو
أن يكون
نفثات بخار
متقطعة تصحب
كلمات غدت
هادئة الآن.
بادرني، من
علٍ، قائلاً
وهو لا يبعد
عني إلا بعض
متر: -
ما الذي
يجعلك أن
تعدو بهذا
الشكل
العشوائي؟
إنك لست من (يَردِتْ)،
أليس كذلك؟ تمنيت
لو أنني نفيت
مقولته إن
كانت تسعفني
في أن يدعني
وشأني، لكنني
وقد سمعت
تعليقه
الواثق أيقنت
أنه يعرف من
يسكن في هذه
المنطقة
الصغيرة. قلت: -
لا، أنا من (رنكبي
Rinkeby)! -
وما الذي أتى
بك إلى هذه
المنطقة
النائية عن
رنكبي؟ لم
أجب على
سؤاله.
وبالأحرى
مالذي سأجيبه؟
لو أنني
أخبرته
فإنه سيهزأ
حتماً، لذا
صمت أما هو
فإنه لم يصمت.
تابع سيل
تساؤلاته: -
إنني أرى
مباشرة أنك
لست لصاً في
غزوة ليلية!
أريد أن أقول
أنني أعرف
جميع لصوص
المنطقة وهم
من الشبان
السويديين،
أما أنت لو
كنت لصاً
لكنت في
منطقة أخرى. تضاحك
وهو يتابع: -
ولا أعتقد أن
سوق اللصوصية
في رنكبي في
ركود! يبدو
لي أنه
عَرِّيف
باللصوص
واللصوصية
وأسواقها
المزدهرة
والراكدة،
لكن شكله
الذي أراه
أمامي في
عَتَمَةِ
ليلة شتوية
لا يدل على
أنه لص أو
لربما رئيس
لصوص. لا أدري
لماذا أقول
هذا عنه،
وأنا الذي
أعرف أن
كثيراً من
لصوص المملكة
الذي انقشع
الستار عنهم،
دون أن يقبض
عليهم، هم
شقر أيضاً
وكذلك من
مرتدي (السموكينغ)
في حفلات
رسمية ومن
ذوي سيارات (ساب)
داكنة زجاج
النوافذ. ولا
يخلو الأمر أن يكون
أحدهم
متنصباً في
مركز هام
يبرم عقود
مظلات مع
ذاته وألدانه
حسب فهرس
الديمقراطية.
أما أنني لا
أشك في هذا
الشاب، فلا
أدري لماذا،
وقلَّما يفسر
الباطن. ربما
أبرمنا،
لاشعورياً،
معاهدة هدنة
عدم شك مؤقتة
أو لربما أن
ومضة شعره لم
تتح لي غير
هذا: إنه ليس
لصاً، لكنه
يعرف من هم
اللصوص.
غرابة منطق
ليس في وسع
منطقي على
تمحصها الآن. سألته
وقد هدأ تردد
أنفاسي ونفذ
البرد إلى كل
عضو من
أعضائي: -
إن كنت تعرف
أنني لست
لصاً وأنني
من سكان
منطقة أخرى
فلم تلاحقني؟ -
أعرف أنك في
حاجة إلى
مساعدة، ولا
أكتمك السر
الآن وأنا
أقف بالقرب
منك وتبلغني
أنفاسك أعرف
بكل تأكيد
أنك حقاً في
حاجة إلى
مساعدة على
الأقل كيلا
تتجمد حتى
الموت في هذا
الصقيع
الشنيع. سيما
إنك مخمور
ومن السهل أن
تزلق وتغفو. -
لا، لن أزلق
ولن أنام،
رددت عليه
بثقة مثل
ثقتي بساقي
اللتان
تتخاذلان. -
هذا ما يدعيه
كل مخمور،
أجاب بثقة
تشق عَتَمَةَ
الليل
بوضوحها. لولا
أنني نفسي
أشم رائحة
الخمر تنفث
مع كل شهيق
وزفير
ينبعثان من
رئتي لأجبته
أنني لست
مخموراً.
ولولا أنني
أود ألا أطيل
الحديث معه
عسى أن يدعني
وشأني لقلت
له أنني لست
مخموراً كما
أنني لست في
حاجة إلى
مساعدة. لكن
رائحة الخمر
المنبعثة مني
وتخاذل ساقي
ونظري الذي
لم يعد يثبت
على هذا
الطيف، الذي
يتراقص جنده
من خلفه،
جعلني أن
أسكت لعله
يعرض علي
المساعدة مرة
أخرى كيلا
أتوه في غابة
لم يسبق لي أن
زرتها. وكأنه
قرأ على شاشة
تفكيري ما
يدور في خلدي
قال: -
أعتقد أنك في
حاجة إلى
مساعدة على
الأقل كي
تخرج من
الغابة بسلام
وكيلا أقرأ
عنك في جريدة
أخبار اليوم
غداً. ضحك
وتابع حديثه
بهزر: -
لا أعتقد
انهم
سيكتشفونك
خلال الليل.
لربما غداً
عندما يؤم
البحيرة
صيادو
البيمبل Pimpelfiskare. وأكملت
في سري ما
اعتقدت أنه
سيتابع به: -
وبذا لن أقرأ
عنك في جريدة
أخبار اليوم
أو صحيفة
اليوم
السويدية قبل
يوم الأثنين
بعد عناء أن
أبحث في
الأخبار
الموجزة. -
تعال لنذهب،
قال وهمَّ
مستديراً نحو
الجهة التي
جاء منها. تبعته
دون أن أفه
بشيء. مشى
أمامي بخطوات
رشيقة تخلف
هشيم الثلج
في هدأة ليل
دامس. وسحبت
قدمي أحاول
أن أدوس في
نفس الثغرات
التي تخلفها
خطواته وتخفف
عني عناء
الثلج الذي
يغطي قدمي من
خلال فتحة
القدم في
الحذاء
العادي. لم
يكن هذا
ليسعفني، كما
لم يكن دسي
يدي
المتجمدتين
في جيبي
سترتي ليضفي
عليهما بعض
دفء. إن برودة
كانون الأول
لا تعادلها
برودة أخرى
على الأخص
وأنني أمشي
بهذه الملابس
ليلاً قرب
بحيرة وفي
منطقة يَردِت. أما
هو فقد كان
يرتدي، كما
يبدو لي في
العَتَمَةِ،
معطفاً أسود
جلدياً حتى
ركبتيه
تقريباً
وينتعل بوطاً
حتى باطن
ساقه كما أنه
قفَّذ يديه
بقفاذين ربما
أسودين. كان
رأسه عارياً
بلا كمة
يكسوه شعر
عرفته أشقر
غزيراً. زلت
قدمي وأنا
أحاول أن
أنزلها في
إحدى الثغرات
التي خلفتها
أقدامه. خل
توازني
وأحسست أن
رأسي يدور
مثل مصابيح
تنبيه الشرطة
وانكفأت على
الثلج وكأنني
أغوص دون أن
أجيد السباحة.
لم تنبعث مني
صيحة أو نداء.
سمعت كيف
أهوي وخطر في
بالي كيف كنت
وأخوتي نغوص
في التبن في
الحظيرة بعد
الحصاد. كانت
تنطلق منا
صيحات سرور
وفرح وهرج
أما الآن فقد
جمدت هذه
الذكرى مع
مزيج معدتي
على ثلج غابة
في يردت. عندما
كنا نلقي
بأنفسنا
لنغوص في
التبن بعد
الحصاد كان
يصدف أن
يرتطم أحدنا
بطرف الحظيرة
أو شيئاً
غطاه التبن
فكان يتسارع
إليه الآخرون
متصنعين
نجدته، إلا
أنني الآن
وأنا أحاول
أن أبعث
دفئاً في
ذكرى أحضرها
سقوطي شعرت
بساعدين
قويتين تلفان
صدري من خلف
وتنهضان بي
بقوة.
أحسستني
وكأنني عهن
منفوش يرفعه
عملاق لأقف
على ساقين لم
تسترجعا بعض
قوة بعد راحة
قصيرة
منكفئاً على
وجهي في
الثلج. إنني
أحس فعلاً
بنعاس رغم كل
ما اختزنه
جسدي من
برودة. وددت
لو أنه
أعادني إلى
فراش الثلج
أنعم بغفوة
قصيرة أسترد
بها بعض قوة. -
دعني وشأني،
تراءى لي أن
أقول. -
هذا ما توده،
تراءى لي
أنني أسمع. قسَّ
الشاب
بركبتيه وسحب
ذراعي الأيسر
يحيط به كتفه
الأيسر
فأحسست بألم
شديد تحت
إبطي زال بعد
أن تأبطني من
خصري ورفعني
أتكيء على
خصره الأيمن
وسار بي
وقدمي أعتقد
أنهما تخلفان
خطّـاً
متعرجاً على
الثلج. بين
الفينة
والأخرى
ينهزني إلى
الأعلى ليزيد
من إحكام
قبضته على
خصري. -
لابد أنه وضع
مريح، أليس
كذلك؟ ورد
على بالي ما
سمعت والدتي
تقص علينا
أحياناً أن
الموتى لا
يموتون فعلاً
إنما أرواحهم
تغادر
اجسادهم
وأنهم في
الحقيقة
يسمعون ويرون
كل ما يدور من
حولهم إلا
أنهم لا
يستطيعون
الحراك أو
الكلام. كنت
أفكر آنذاك،
وهي تقص
علينا، أنه
ربما كان
الميت غير
ميت وإنما
أراد أن يوكل
بنفسه لسبب
ما إلى آخرين
يساعدونه على
أن يقطع درب
الحياة بسرعة.
ولذا صمت
وخرج من ذاته
ليرى كيف ترك
غلافه لآخرين
يتكفلون به
وقتياً. كان
يتراءى لي أن
عمي قد خرج من
ذاته منذ زمن
طويل وأوكل
بغلافه إلى
والدي شرط
ألا يسرع به
في قطع درب
الحياة. ربما
كان يحلو له
أن يرى كيف
يوكل به وهو
خارج ذاته .
كان ربما مثل
الخلد أعمى
لا يرى لكنه
يحس ويعيش
ويتكاثر دون
أن يرى. لربما
الخلد يرى
مثل عمي. أحسني
الآن وكأنني
ميت أسمع وفي
عَتَمَةِ
الليل أرى
إلا أنني لا
أقوى على نطق
أو حركة.
الفرق بيني
وبين من حكت
والدتي عنهم
أنني الآن
أُسْحَبُ شبه
محمول ورجلي
متدليتان
تخلفان،
ربما،
خلفهما، بعض
أثر لحياة
بدأتها بذاتي
هرباً ولا
أعرف لها
نهاية أو دفة
تحكم
إلا أنني
أرفض رحلة
عمي. توقف
الشاب فجأة.
رفع يده
اليمنى حتى
غدت تحت إبطي
وبيده اليسرى
رفع رأسي
الذي ارتاح
على صدره. لا
بد أنه نظر
إلى وجهي
ملياً إذ
سمعته يقول
متسائلاً: -
هل تحس أنك
على غير
مايجب؟ جهدت
أن أجيبه لكن
كلامي بدا
مثل أنين
مغصوص. -
هل تحس
بالغثيان؟ وانطلقت
أنة أخرى
أعني بها
النفي. -
ياللجحيم، إن
حالك سيئة!
قال الشاب
مستخلصاً. أعادني
إلى الوضع
السابق
يحملني على
خاصرته ويحيط
كتفيه بيدي
اليسرى ويمسك
بمعصمي بقوة.
قال: -
تحامل على
ذاتك إننا
بالغون
الطريق
العامة عما
قريب. لم
يكد ينهي
جملته حتى
انطلقت مني
عنوة ترددات
تقوعات صوت
معدتي. توقف
فجأة، مرة
أخرى، وحرر
معصمي.
أجلسني على
الثلج وبدأ
ينبش الثلج
بمؤخرة ما
ينتعله حتى
جعل فجوة
عميقة بعض
الشيء ومن ثم
عاد إلي
يرفعني من
خلف من تحت
إبطي. قال: -
حاول أن تفرغ
معدتك! ترددت
تقوعات معدتي
في هدأة
الليل وقد
أكب بوجهي
مباشرة نحو
الحفرة في
الثلج. تقلصت
معدتي
وتراقصت
عضلات بطني
وانتفض رأسي
واندلقت من
فمي وأنفي ما
حوته معدتي.
تبعتها بعد
ذلك تقلصات
عديدة في
معدتي
وارتجفت
عضلات بطني
واندلق ما في
معدتي في
الحفرة. كنت
أنادي أمي
بلغة عربية
وأتأوه، ربما
بالسويدية،
لتتبعها
دفقات من
الخمر الذي
ملأ معدتي. دامت
هذه الحال
برهة شعرت
بها وأنا
أجلس
القرفصاء
الآن، وهو
يمسك بي من
ياقة معطفي
من خلف، أنني
استنفذت آخر
شحنة من قوة
متبقية في
جسدي إلا
أنني أحسست
براحة في
معدتي. -
هل تشعر أنك
أفرغت ما في
معدتك، سأل
الشاب. ولأول
مرة، مذ
سحبني،
استطعت أن
أجيب نطقاً.
قلت: -
بلى، أعتقد
ذلك. -
حسن! خذ قبضة
من ثلج وافرك
بها فمك. أخذت
حفنة من
الثلج ولم
أشعر ببرودة
أكثر مما
كانت في يدي
وفركت بها
فمي. ومن ثم
حفنت مرة
أخرة فركت
بها أنفي
وفمي. وبعد
ذلك خطر في
بالي أن أفرك
جملة وجهي
وفعلت ذلك. -
حسن، حسن! -
لا أعتقد أن
هنالك خطر
تسمم الآن،
قال الشاب
وتبعها بسؤال: -
هل تقوى على
المشي الآن؟ -
بلى، أجبت
وأنا أحاول
النهوض. أعتقد
أنني كنت
أشبه
بِحَمَلٍ يقف
لأول مرة بعد
ولادته. كانت
ساقي تختلجان
من وهن
وانتابتني
رجفة بعد أن
تيسر علي
الوقوف. -
لا تقلق، لا
تقلق، كان
صوته يتردد
وهو يفرك
بجمع كفه على
ظهري. -
إنني أحس
ببرد رهيب،
قلت له. -
لا، هل تحس
بالبرد حقاً!
إن الشمس
حارة تضيء
المروج! -
تعال، تعال
نمشي. يجب ألا
تتوقف الآن.
إن هذا ما
يحدث عادة
إثر تسمم من
إفراط في
الشراب.
وأعتقد أنك
حديث على هذا!
تعال إمش. حثني
على المشي
وهو يمسك بي
من خلف من
ياقة معطفي
وشعرت بقفاذه
بارداً على
قذالي. -
كم شربت في
ليلتك هذه،
سأل الشاب. -
لا أدري. ربما
نصف زجاجة. -
ماذا شربت؟ -
لا أعرف. كانت
الزجاجة
شفافة طويلة
على غير
العادة وفي
داخلها مشروب
شفاف أيضاً.
كان المشروب
يشبه الماء،
لكنه مذاقه
محرقاً. -
ألم يكن على
الزجاجة أية
لصيقة؟ فكرت
قليلاً. -
لا، لا أعتقد
ذلك. -
هل كنت في
حفلة؟ صمت
فقط. لم أفه
بكلمة. كانت
(مونيكا) في
شقتها التي
ساعدتها في
استئجارها من
إدارة مساكن
الطلبة عن
طريق شاب من
وطني، سورية،
آثر السكن
سوية مع
زميلة له في
نفس القسم
الجامعي
توفيراً
للآجار
الشهري
وتخفيفاً
لعناء
التواصل
والدراسة
سوية. تكفلت
بالآجار
الشهري
ووعدته على
أن يدفع في
موعده مباشرة
له كي يطمئن.
وانتقلت آنئذ
(مونيكا) من
بيت والدتها
إلى تلك
الشقة. كانت
هذه أول مرة
تنتقل فيها
من بيت أمها.
ساعدتها على
نقل ما أرادت
والدتها
إعطاءها من
أثاث كما زرت
وإياها محلات
السلع
المستعملة
نختار ما
يلزم من فرش
غرفة نوم
وحاجات لما
يشبه المطبخ
ولم نتوان عن
حمل ما
رأيناه منا
سباً من (كونتينر)
المهملات. في
هذا اليوم،
يوم السبت،
راودني شعور
لا أعرف
تسميته. ربما
الحاسة
السادسة
ولربما كان
إحساس
فقدانها إلى
آخَرٍ.
راودني هذا
الشعور بشكل
جلي بعد أن
استيقظت على
غير عادة
دارجة في
أيام العطلة
الإسبوعية.
كانت الساعة
الثامنة
صباحاً وقلما
يستيقظ في
هذه الساعة
المبكرة من
لا عمل له.
قطعت المرجة
الكبيرة التي
تفصل السكن
العادي في
رنكبي عن سكن
الطلبة أغوص
في ثلج لم
تطأه إلا
أرجل أرانب
برية وكلاب
تتريض. تسلقت
الدرج الخلفي
المؤدي إلى
باحة مرآب
انتصبت على
طرفه الشرقي
أبنية ضخمة
شاهقة تضم
شقق بسيطة
يسكنها
الطلاب أثناء
دراستهم في
الجامعة. كنت
أتعمد التوكأ
على الدربزون
الخشبي كيلا
تزل قدمي من
على الدرجات
التي لم يرش
عليها الرمل.
ولما وصلت
الباحة نظرت
إلى ممر
الطابق
الثاني لأرى
باب شقتها.
كانت النافذة
في وسط الباب
تسرب نور
البهو الصغير
في الشقة. أن
أرى نور
البهو من
خلال النافذه
في الباب جعل
نبضات قلبي
أن تتسارع.
كنت قد طلبت
من (مونيكا) أن
أقيم لديها
ليلة يوم
الجمعة إلا
أنها تعللت
بأنها ستعمل
إضافياً في
البقالية
التي حصلت
فيها،
مؤخراً، على
عمل مؤقت. حاورت
نفسي: -
لو كانت قد
عملت إضافياً
فهذا سبب آخر
أن تنام حتى
ساعة متأخرة! -
ولو كانت
لوحدها في
الشقة لما
تركت النور
في البهو! نافذة
حَمَّامِ
الشقة، على
يمين البهو،
تطل على
الممر
المشترك. كان
زجاجها
المُقَتَّمِ
يسرب نوراً
خافتاً أبيض
ضحلاً. -
لابد أنها
قاسمت غيري
فراشها في
ليلتها
السابقة وهما
الآن يغتسلان
في حوض
الحَمَّام
سوية
يتبادلان
العشق في ماء
حار كما
درجنا عليه
سوية. وخطَّطْتُ: -
إن تسللت،
دون أن أركب
المصعد، الذي
يحدث عادة
ضجة لدى
إغلاقه
وتُسمَعُ في
أكثر الأحيان
في هدأة
الصباح
ومتأخر
الليل، لدخلت
عليهما
متلبسين
بالجرم
المشهود. طفق
الدم في رأسي
وأنا أرى كيف
سأدخل عليهما.
نزلت في جسدي
رجفة زادت من
برده وأنا
أرى كيف
سأفاجئهما في
حوض
الحَمَّامِ
أو في ثياب
التنشيف أو
لربما عاريين
يحتسيان قهوة
الصباح.
وانتابني حزن
كثيف وأنا
أرى على شاشة
فكري كيف
سأفقد هذا
الجسد الأبيض
البض الذي
وُشِمَ نهده
الأيسر بخال
قرمزي يفتنني
دوماً ويؤجج
رجولتي.
وخطرت في
بالي علامات
فارقة أخرى
لذلك الجسد
الدميوي،
الذي عشقت كل
نأمة وطرف
فيه وتفحصت
بعين المنقب
كل خلية منه
وكأنما إحساس
وداع مسبق قد
حل بي مذ
التقيتها في
تلك الحفلة.
رجفة تهطر
،وبرودة
تتسربل،
وثورة حنق
يائس تفتك
داخل صدري،
وشعور بهزيمة
مقسورة،
وفقدان محقق
جعلوني أن
أفضل ارتقاء
الدرج إلى
الطابق
الثاني أتلقط
خطواتي بتأن
وكأنني أمس
الدرجات مساً
خفيفاً
بمقدمات
أصابع قدميّ. جعلت
مفتاح الشقة
جاهزاً:
مسنَّناته من
فوق كيلا
يستغرق فتح
الباب ثوان
ثمينة
يُفقِدُ
المداهمة
وقعها. وأنا
أقف على
الدرجة
الأخيرة،
قبيل الباب
المؤدي إلى
الممر
المشترك
للطابق، هيأت
المفتاح
باليد اليمنى
كما هيأت
اليد اليسرى
لتمسك بمقبض
القفل تفتحه
بسرعة. ولما
فرغت من
إرجاع باب
الممر
المشترك بتأن
رفعت ثقلي
ومشيت على
رؤوس قدمي
أمر بالشقة
الأولى التي
يحتلها زوجاً
يونانياً ومن
ثم أنخيت من
قامتي كيلا
ترى (مونيكا)
وعشيقها
ظلَّي من
خلال زجاج
نافذة الباب
المُقَتَّمِ. أدخلت
المفتاح في
مكانه وأنا
أصُرُّ على
أسناني في كل
مرة أسمع صوت
دخول أحد
المسننات
وكأنني أكبح
الصوت كيلا
يهددني بفشل
المباغتة.
برمت المفتاح
إلى اليمين
بهدوء ولما
تناهت إلى
سمعي طقته
أمسكت، في
نفس اللحظة،
يدي اليسرى
بمقبض القفل
وعركته إلى
اليسار. فتحت
الباب بسرعة
واندفعت
مفترعاً سكون
البهو المطبق.
كان البهو
منوراً أما
المطبخ الذي
ينفتح على
البهو فقد
كان مظلماً.
فتحت باب
الحَمَّامِ
من على يميني
ودفعت بنظري
يتحرى. كانت
خاوية مظلمة.
مشجب الملابس
في البهو لا
يوجد عليه
إلا معطف (مونيكا)
ومن تحته
بضعة أحذية
ومن بينها
البوط الشتوي. قطعت
المطبخ
واتجهت إلى
غرفة النوم
الوحيدة وما
زال أملي
أنني سأهبط
عليهما
متلبسين
بالجرم
المشهود.
فتحت باب
غرفة النوم
بسرعة فأفلت
من قبضتي
ليحدث
ارتطامه
بمؤخرة سرير
النوم ضجة
جعلت (مونيكا)
أن تهب من
نومها جالسة
على قفاها في
السرير
مذعورة. -
من هذا، صاحت (مونيكا)
بذعر؟ لم
تتبينني من
خلال عينين
زرقاوين
صافيتين
يصارع النوم
فيهما
المفاجأة. قالت
مرة أخرى وهي
تفرك عينيها
بسلاميات
أصابعها: -
من هذا، من
هذا؟ لا
أدري لم وقفت
أبكماً كما
لا أعرف ماذا
حل بي. كأنما
آخراً تقمص
جسدي الذي
طفحت فيه
شهوة إلى
جسدها العاري.
خَلْتُ أن
خالها
القرمزي
يناديني ومن
في داخلي لا
يحررني. وقفت
داخل إطار
باب الغرفة
صامتاً وحزن
مفاجيء
قد نزل بي
ليأتي على كل
ذرة من تفكير
حالي أو مسبق.
بدا عريها
وهي في أوج
ذعرها
فتَّاناً.
لونت
المفاجأة
جسدها الأبيض
بمسحة زهرية
شفافة.
نهداها
مشرئبان
مذعوران
وكأنما
أحدهما اختبأ
تحت خصل شعر
شقراء ذهبية
انفردت على
صدرها يروم
أماناً
ويسترق النظر
بحلمة زهرية
يستطلع الحدث. -
ياللجحيم، ما
الذي أتى بك
في هذه
الساعة؟ صَحَتْ
من هول
المباغتة
الصباحية
وثارت
ثائرتها وقد
ترجلت على
السرير ولما
لمحت نظراتي
أغلقت الباب
بركلة من
قدمها قفزت
لها متراجعاً
وكاد أن
يصفعني. أعادني
إلى الواقع
من سلسلة
الذكرى
القريبة صوت
الشاب، الذي
هيء لي أنه
يزمجر: -
ما بك صامتاً
لا تجيب على
سؤالي؟ سألتك
إن كنت في
حفلة! -
لا، لم أكن في
حفلة. كنت في
شقة كي أحضر
خطيبتي من
عند زميل عمل
لها. -
يبدو أن
المقام طاب
لك معهما
بحيث أنك
شربت وأفرطت
ونسيت
خطيبتك، قال
هازراً. كان
يحدثني ونحن
في طريقنا.
توقفت لأنظر
إليه وتبين
لي الآن أنه
نفس المكان
الذي التقيت
به من قبل. بدا
لي الزمن
دهراً طويلاً
حتى أنني لم
أستطع أن
أقدر كم مضى
علينا في هذه
الحال.
إنتهينا إلى
نفس عمود
الإنارة الذي
وعد أن ينتظر
تحته في حال
أنني نكصت
قولي وأردت
المساعدة. لم
أنكص ما عزمت
عليه آنئذ
إلا أنني
الآن لا
أريده أن
يتركني وشأني
إذ لا أعرف
كيف أصل إلى
مكان أستطيع
أن أركب
القطار
الكهربي أو
سيارة نقل. كنت
قد جئت إلى
يردت في
سيارة تكسي
بعد أن قدمت
للسائق
عنواناً حصلت
عليه من أم
خطيبتي
مونيكا،
لكنني لا
أعتقد أن
الورقة في
حوزتي بعد
عراك نشب
بيني وبين
زميل خطيبتي
في العمل في
شقة في يردت. التفت
إلي الشاب
ونحن نقف تحت
مصباح عمود
الإنارة وقال: -
الساعة الآن
تنوف على
الواحدة
صباحاً ولا
أعتقد لو
أنني ساعدتك
حتى الطريق
العامة أنك
ستعثر على
تكسي في موقف
التكاسي
العام. -
يمكنني أن
أهتف من هاتف
التكسي، قلت
وقد صحوت بعض
الشيء. ضحك
الشاب وسمعت
ضحكته. قال: -
الشبيبة قد
أتت على
حجيرات
الهواتف
العامة كما
أتت على هاتف
موقف التكسي. واجهني
وحدق في وجهي
وقد أمسكني
من كتفيّ. قال: -
إسمع! أنا
إسمي (هوكان
يونسون Håkan Jonsson ) وأنا
من رجال شرطة (أوسترمالم
Östermalm وأقيم
في شقة خاصة
في نهاية
الهضبة هذه. وبحركة
رشيقة مألوفة
له، كما
يبدو، أبرز
بطاقة يزينها
الرمز الملكي
وفي داخلها
بطاقة ممهورة
وصورته إلى
طرفها الأيسر. وتابع
قائلاً: -
إن شئت
فيمكنك أن
ترافقني إلى
شقتي حيث
يتسنى لك أن
تهتف إلى
تكسي يقلك
إلى رنكبي .... وهزر: - ...
وهذا طبعاً
إن لم يكن في
نيتك أن تمشي
إلى رنكبي،
وهذا أرخص! وددت
أن تظهر
الضحكة على
وجهي، لكنني
أحسست أن
شيئاً في
داخلي أراد
أن يضحك وخجل
مما مرَّ
عليَّ في
ليلتي هذه.
قلت: -
شكراً،
سأرافقك إلى
بيتك. -
حسن، هل في
وسعك المشي
مسافة قصيرة؟
واستدرك: -
أعني ليس
أبعد من
نهاية الهضبة
هذه حيث
البنايات. لا
بد أنك مررت
بهم وقت نزلت
هذه الطريق. لم
أجبه على
تساؤله إذ لا
أتذكر الآن
أيما بناية.
أجبته بعد أن
ابتعدت عن
عمود الإنارة
الذي أسندت
كتفي اليمين
عليه: -
إن في
استطاعتي أن
أمشي الآن.
أما إن كان
هنالك بنايات
فإنني لا
أذكرها. -
لا غرابة في
ذلك وقد ملأت
معدتك بذلك
الزفت. تابع: -
أعذرني أن
أسميه بالزفت.
أعتقد أنك
شربت ما يسمى
بالتحضير
البيتي. وهذه
وسيلة يلجأ
إليها مجموعة
معينة من
الشبان
المدمنين على
الخمر. لم
يمسكني من
يدي أو كتفي،
بل سرنا
بجانب بعضنا.
كانت الساعة
حتماً قد
قاربت
الثانية
صباحاً
وبرودة الليل
لا تقل عن
العشرة أو
أكثر تحت
الصفر.
عَتَمَةُ
الليل
الدامسة تزيد
من وحشة في
داخلي. رفعت
ياقة معطفي
أتقي بذلك
هواء كانون
القارس. يبدو
لي ألأ شيء
يفلح الآن في
إدخال بعض
دفء إلى نفسي
وجسدي. سرنا
صامتين وتعمد
(هوكان) ألاّ
يوسع خطاه. لا
أدري إن كان
يقر مثلي أم
أنه لا يريد
أن يظهر ذلك.
إنني أعرف أن
السويديين قد
تعودوا منذ
نعومة
أظفارهم على
تحمل البرد
أما هذه
الشتوية فقد
كانت أكثر من
المعتاد.
قلما تهبط
البرودة في
استوكهلم إلى
أكثر من
عشرة، أما في
هذه السنة
فإنها لم
تهبط عن
العشرة تحت
الصفر ليزيد
من قرها وجود
بحيرات في كل
مكان. كنت
أحس بالبرد
في قريتي في
أشهر كانون
إلا أن البرد
لم يكن في هذه
الدرجة رغم
أن ملابسي
آنئذ لم تكن
بمثل هذه
الملابس
المخصصة لفصل
البرد. ولم
أكن في حاجة
أن أرتدي
أكثر من
ملابسي
العادية ومن
تحتها ما
تختاره أمي
من ملابس
قديمة كانت
ذات يوم
لشقيقي لتجعل
منها طبقات
تقينا من
البرد. ذات
مرة بعد أن
كنت ووالدتي
في زيارة إلى
ابنة عمها
التي تسكن في
طرف القرية
الشمالي عدنا
إلى دارنا في
وقت متأخر من
ليلة قضيت
معظمها في
حجر أمي
تقريباً. لم
أرغب في أن
أفكر بطريق
العودة طيلة
الوقت. كنت
أعرف أن أمي
بصحبتي ولا
حاجة أن أخشى
ظلَّي. كان
برد تلك
الليلة ليس
أكثر من برد
ليلة كانونية
عادية، لكن
أسناني أرادت
أن تصطكك. عاتبتني
أمي آنئذ: -
لقد نصحتك أن
تلبس فروة
شقيقك رغم
أنها واسعة
إلا أنك عنيد. لم
يكن من عادتي
أن أرد على
أمي. قلت: -
إنني بردان. -
تعال، تعال،
قالت مداعبة. نظرتْ
حولها في
عَتَمَةِ نصف
الشهر تطمئن.
لم يكن هناك
إلا قمر جريء
يضفي على
السهل الواسع
صورة بحيرة
واسعة تتراقص
على صفحتها
الداكنة
أمواج ليلة
هادئة لتتبدى
متلاشية على
تخوم دارنا،
التي أودعت
فيها خوفاً.
رَفَعَتْ طرف
ملاءتها
السفلي
العريض.
حشرتُ نفسي
بينه وبين
ثيابها
الأخرى
وأخرجت جذعي
من الطرف
الآخر حيث
مطاط الوِسط،
ومن ثم رمت
بقطعة
الملاءة
العلوية على
رأسي وضمتني
إلى صدرها
فشملني دفء
عالمها
ليتلاشى
عالمي فيه
ويغدو جزءاً
منه لايناله
خوف ولا ظلال. لا
أدري إن كنت
أحس بالبرد
آنئذ أم كنت
أخاف. كنت
أعرف أن أمي
قد درجت على
حشرنا تحت
ملاءتها
عندما نقول
أننا بردانين
ونحن في
صحبتها. هذا
ما درجتُ
عليه وأخوتي
وكنت أنعم به
أنا فأبرد
حتى في شهر
أيار. أحسست
بدفء صدر أمي
اللين. لم تكن
قامتي في ذلك
السن أطول من
أن أصل بقمة
رأسي إلى
صدرها. شعرت
بحرارتها
ودفئها وأنا
أمسك بظهر
ردائها كيلا
أقع إن تعثرت.
كنت أشعر
أنني جزءاً
منها وكانت
تقودني دون
أن أنظر وكنت
آنئذ أفتش عن
الخوف في
نفسي بجرأة
فلا أعثر
عليه. كان
الخوف يخافني
عندما أصبح
جزءاً من
عالم أمي. نظرت
إلى (هوكان). خاطبت
نفسي: -
لا أعتقد أن
أم (هوكان)
ترتدي ملاءة. ربما
شعرت بأسى،
لكن لا أدري
إن كان الأسى
أن أم (هوكان)
لم ترتد
ملاءة تحشره
تحتها أم
لأنني كنت
أتمنى أن
تقيني أمي،
الآن، قر
البرد،
الذي نفذ
إلى نِخاعِ
عظمي. إنني
على يقين أنه
يداهمني
أحياناً
إحساس
بالغربة لا
أقوى على
خداعه. أما
الآن فإن
إحساس الغربة
إحساس ممتزج
بشوق إلى أمي.
لا أدري لم
أحس بشوق
عارم إلى أن
أكون في
قريتي، قرب
كانون الحطب
في غرفتنا
الوحيدة
الواسعة.
أحسني في شوق
عارم إلى أن
أجلس أمام
الكانون
الحجري وسط
الغرفة أو أن
أحشر بنفسي
تحت ملاءة
أمي. -
ما بك تصطك
أسنانك؟ هل
تحس بالبرد
إلى هذه
الدرجة؟ -
إنني بردان
برد جحيم،
أجبته
محاولاً أن
أكُزَّ على
حنكيَّ لعلني
أفلح في
إيقافهما. -
عجّل، عجّل
في مشيتك،
ولو استطعت
فهرول، قال
وقد هم ذاته
في أن يوسع
خطاه. -
لم يعد هنالك
الكثير. إننا
على وشك أن
نصل. قطع
حديثه فجأة
وسألني: -
وبالمناسبة،
ما اسمك؟ -
صالح! صالح
نعمة. كنا
قد وصلنا إلى
نهاية الهضبة.
أحس باعياء
في كل جسدي،
كما أحس أن
معدتي قد
فرغت من كل
شيء. أحس بعطش
صحراوي. بدت
لي أشباح
بنايات في
العَتَمَةِ
يقلقها ضوءٌ
يخترق
بواباتها.
بضع نوافذ
يتخللها ضوء.
فناء
البنايات
مقفر أبيض.
دوائر مقاعد
أراجيح
الأطفال
بيضاء ترسل
وميضاً في
عَتَمَة
الليل وكأنها
صحون فضائية
من عالم آخر.
عالمي الآن
عالم آخر
يقلني فيه
صحن طائر من
عالم غامض
إلى عالم
مجهول أحسه
مقفراً سلفاً. -
ها وصلنا
الآن إلى
بنايتي، قال (هوكان). نقر
(هوكان)
بسبابته
نقرات متعدده
خاطفة على
صفيحة مضاءة
استجاب لها
قفل البوابة
مخلفاً تكة.
فتح الباب
ودلفنا إلى
نور ممر
البناية
ودفئها.
|